علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )
70
الصداقة والصديق
الثاني ، أعني أنكم معمومون بصورة الإنسان من ناحية النوع ، كما أنكم معمومون بصورة الحيوان من ناحية الجنس ، ومعرّضون لنيل صورة الملائكة بالاختيار الجيد ، كما أنكم معرّضون لنيل صورة الشياطين بالاختيار الرديء ، فلو ثبتم على الصراط المستقيم ، وعلقتم حبل العقل المتين المستبين ، واعتصمتم بالعروة الوثقى من الهدى والدين ، كنتم كنفس واحدة في كل حال ، ذلّت « 1 » أو صعبت ، تجمّعت أو تشعّبت ، تعرّفت أو تنكّرت ، وكانت هذه الشريفة أعني الموافقة والوحدة تسري في الصديق والصديق ، ثم في الثاني والثالث ، ثم في الصغير والكبير ، وفي المطيع والمطاع ، والسائس والمسوس ، وفي الجار والجار ، وفي المحلّة والمحلّة ، والبلد والبلد ، حتى تبلغ الأغوار والنّجود ، وتشتمل على الأداني والأقاصي ، فحينئذ ترى كلمة اللّه العليا ، وطاعته العالية ، إلّا أن هذا لمّا كان متعذرا [ جدا ] لأن المادة الأولى لا تنقاد لهذه الصورة ، والصورة الأولى لا تلابس هذه المادة ، طلب هذا المتعذر في الواحد مع الواحد ، في الزمان بعد الزمان ، على السنن بعد السنن ، على المكان بعد المكان ، بالدعوة بعد الدعوة ، والهيئة بعد الهيئة ، بالتعاون بعد التعاون ، وإذا / بعد المطلوب من جهة عامة لعلة مانعة فليس ينبغي أن يقنط من الظفر به من جهة خاصة لعلة معطية ، ومن المحال أن يكون المطلوب يدل على صحته العقل ثم لا يوجد في أحد المعدنين اللذين له ، ولو استحال الوصول إليه ، والتمكن منه ، لكان العقل لا يدل على صحته ، والرأي لا يشتاق إلى تحصيله ، والطبيعة لا تنحو نحو مظنّته ، والاختيار لا يحول في طلبه ، قال فعلى هذا يحمل رمز الحكيم في قوله : الصديق إنسان هو أنت ، إلّا أنه بالشخص غيرك .
--> ( 1 ) ج ق - ذللت .